إعداد: نجوى | تحقيق بيانات ميداني
في الخامسة صباحاً، تكون لطيفة قد غادرت منزلها في رأس الواد، إحدى المناطق الريفية التابعة لمعتمدية نفزة من ولاية باجة. لا تبدأ رحلتها إلى الطبيب من باب المنزل، ولا تنتهي عند باب المستشفى. بين الاثنين أربعة كيلومترات من المسالك الريفية تفصلها عن الطريق الرئيسية، تقطعها أحياناً سيراً على الأقدام، وأحياناً تستعين بحمار، وفي أيام أخرى تضطر إلى استئجار جرار من أحد الجيران حتى تصل إلى وسيلة نقل تقلّها إلى مدينة نفزة. بالنسبة إلى امرأة أخرى، قد تكون هذه المسافة مجرد بضعة كيلومترات؛ بالنسبة إلى لطيفة، هي جزء من فاتورة العلاج.
تعمل لطيفة في الفلاحة مقابل أجر يومي لا يتجاوز عشرين ديناراً. لذلك، حين تحتاج إلى متابعة حمل أو فحص طبي، لا يكفي أن تسأل: أين توجد أقرب خدمة صحية؟ عليها أن تسأل أولاً: كم ستكلّفني الرحلة؟ وكم من الوقت سأغيب عن العمل؟ وهل سأجد الخدمة التي أحتاجها عندما أصل؟ تقول لطيفة:
«كنت نخمم ألف مرة قبل ما نمشي للطبيب. مجرد الوصول للطريق الرئيسية يكلف، وبعدها النقل إلى المدينة، ثم التحاليل والدواء. في برشا مرات كنت نرجع من المستشفى ونلقى الدواء موش موجود، ونضطر نشريه من عند الصيدلي.»
في إحدى زياراتها، لم تكن المشكلة في الطبيب وحده، بل كانت في الطريق إليه، وفي كلفة الوصول، وفي الفحوصات والأدوية التي قد لا تكون متوفرة، وفي اليوم الذي قد تخسره من عملها. فبالنسبة إلى عاملة تعيش من أجر يومي، اليوم الذي تقضيه في الطريق هو أيضاً يوم قد تخسر أجره. وهكذا، تتحول زيارة الطبيب من خدمة صحية يُفترض أن تكون متاحة إلى معادلة حسابية: أجرة النقل + الوقت الضائع + أجر يوم العمل المفقود + التحاليل + الأدوية غير المتوفرة. وقد تصبح هذه المعادلة كافية لتأجيل الموعد.
قصة لطيفة لا تبدأ من نقص الوعي، ولا تنتهي عند باب المستشفى. إنها تكشف مشكلة أكبر: ماذا يعني أن تكون الخدمة الصحية موجودة، لكنها ليست في متناول من تحتاجها؟
في الشمال الغربي التونسي، لا تعيش لطيفة وحدها هذه المعادلة. ففي باجة وجندوبة والكاف وسليانة، يعيش أكثر من 1.16 مليون شخص، في ولايات تمتد على مساحات واسعة وتضم تجمعات ريفية متباعدة. وهنا، حيث يعتمد جزء مهم من الاقتصاد المحلي على الفلاحة، تشكّل النساء قوة عاملة أساسية، لكنهن يعملن في ظروف تجعل كلفة الوصول إلى الخدمة الصحية أثقل من كلفتها المالية الظاهرة. فالأجر الفلاحي الأدنى المضمون بلغ 20.320 ديناراً في اليوم سنة 2025، بينما تشير معطيات مستقلة إلى أن أجور العاملات الفلاحيات الفعلية قد تنخفض إلى ما بين 10 و20 ديناراً يومياً.
توزع غير عادل للخدمات
وفي الجهة نفسها، لا تتوزع خدمات الصحة الإنجابية بالتساوي. تكشف «الخريطة الصحية تونس 2024» الصادرة عن وزارة الصحة أن 7 مراكز فقط من أصل 97 مركز صحة أساسية في باجة تقدّم استشارة صحة إنجابية أسبوعية كاملة، أي 7.2% من المراكز، وفي جندوبة تنخفض النسبة إلى 6.1%، مقابل 64% في تونس العاصمة. والفارق لا يظهر فقط في عدد المراكز، بل أيضاً في الكفاءات الطبية: فكثافة أطباء أمراض النساء لا تتجاوز 1.65 طبيباً لكل 10 آلاف امرأة في سن الإنجاب في جندوبة، و1.87 في سليانة، و2.35 في الكاف، و2.47 في باجة، مقابل معدل وطني يبلغ 3.30. وحتى القابلات لا يتوزعن بالطريقة نفسها: 8.02 لكل 10 آلاف امرأة في جندوبة مقابل 17.63 في الكاف.