قبل دخول قانون عطل الأمومة والأبوة حيّز التنفيذ، كانت أيّام نسرين (اسم مستعار)، وهي موظفة في القطاع العام، تبدأ على عجل بين منزل والدتها ومنزل أم زوجها. كانت تترك رضيعها لدى إحداهما وتتوجّه إلى العمل، ثم تعود في اليوم التالي إلى الروتين نفسه . ومع قلة ساعات النوم، كانت تصل إلى مكتبها مرهقة وتشعر بأن ذلك ينعكس على أدائها المهني.
في أفريل 2025، وبعد ولادة طفلها الأخير، عاشت نسرين تجربة مختلفة. انتفعت هذه المرة بكامل عطلة الأمومة التي أقرها القانون الجديد، وهو ما خفّف عنها جزءاً من التعب والإرهاق. لكن الأشهر الثلاثة، كما تقول، لم تكن كافية بالنسبة إليها لمواكبة احتياجات رضيع في أسابيعه الأولى.
وتأتي تجربة نسرين في سياق يمس شريحة واسعة من النساء العاملات في تونس. فبحسب معطيات أوردتها وثيقة برلمانية مرتبطة بمقترح القانون الأساسي عدد 84 لسنة 2025، المودع لدى مجلس نواب الشعب في 8 جويلية 2025، فإن أكثر من 70 بالمائة من النساء العاملات هنّ أمهات.
غيّر القانون عدد 44 لسنة 2024 قواعد عطلة الأمومة بشكل جوهري، إذ أصبحت الأم في الوظيفة العمومية والقطاع العام والقطاع الخاص تنتفع بثلاثة أشهر، بعد أن كانت المدة أربعة أسابيع في القطاع الخاص وشهرين في القطاع العام. لكن بين ما تغيّر في النص وما تعيشه الأمهات في حياتهن اليومية، تبقى تجربة الانتفاع بهذا الحق مختلفة بحسب ظروف كل امرأة ووضعيتها المهنية.
قانون أنهى اختلافاً بين القطاعات
صادق مجلس نواب الشعب مساء 31 جويلية 2024 على مشروع القانون المتعلق بتنظيم عطل الأمومة والأبوة في الوظيفة العمومية والقطاع العام والقطاع الخاص، بأغلبية ساحقة. صدر القانون عدد 44 لسنة 2024 المؤرخ في 12 أوت 2024 بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، ودخل حيز التنفيذ ابتداءً من 13 أوت 2024 . وهو أول نص يجمع هذه العطل في إطار واحد يشمل العاملين في القطاعات الثلاثة.
كانت العطل قبل ذلك موزّعة على نصوص متفرّقة، منها القانون عدد 112 لسنة 1983 المتعلّق بالنظام الأساسي العام لأعوان الدولة والجماعات المحليّة والمؤسسات العمومية، ومجلة الشغل، والقانون المنظم للضمان الاجتماعي لسنة 1996.
وبحسب وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن قبل الإصلاح، كانت أحكام عطلة الأمومة موزعة بين نصوص قانونية مختلفة، من بينها النظام الأساسي العام لأعوان الدولة ومجلة الشغل والنصوص المتعلقة بالضمان الاجتماعي . وكان الفرق بين القطاعين شاسعا، إذ تتمتع الأم في القطاع العام بعطلة ولادة من شهرين بكامل الأجر ويمكنها بعدها أن تطلب عطلة أمومة إضافية لا تتجاوز أربعة أشهر بنصف الأجر. أمّا عاملة القطاع الخاص فلا تتجاوز عطلتها شهرا واحدا خالص الأجر، ولا تحصل على عطلة إضافية. وفي ما يخص الآباء، كانت العطلة يومين في القطاع العام ويومًا واحدًا في الخاص.
لم يكن إقرار القانون وليد سنة 2024، إذ تعود محاولات مراجعة منظومة عطلة الأمومة والأبوة إلى سنوات سابقة. فقد ظهرت أول إشارة رسمية إلى نيّة مراجعة التشريع في أكتوبر 2016، وصادقت الحكومة على أول مشروع قانون في مارس 2019 وأحالته على مجلس نواب الشعب، لكن دورة المجلس في الخريف نفسه حالت دون أن تتم مناقشته.
وقُدّم مشروع مشابه سنة 2020 ولم يُحسم، ثم توقّف المسار إثر قرار تجميد البرلمان في 25 جويلية 2021.، وفي جوان 2024 صادق مجلس الوزراء على المشروع وناقشه البرلمان في لجانه ثم في جلسة عامة.
ربطت وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن آنذاك، آمال بلحاج موسى، إصلاح منظومة عطلة الأمومة والأبوة بالتحوّلات الاجتماعية والديموغرافية التي تشهدها تونس، في ظل تراجع الولادات وانخفاض مؤشر الخصوبة وتغيّر أنماط تكوين الأسرة.
وتعكس البيانات الرسمية للمعهد الوطني للإحصاء هذا المسار بوضوح، فقد تراجع عدد الولادات من 225887 ولادة سنة 2014 إلى 135148 سنة 2023، ثم إلى 126401 سنة 2024. كما انخفض مؤشر الخصوبة من مستويات مرتفعة تاريخياً إلى 1.6 طفل لكل امرأة سنة 2023، قبل أن يتراجع إلى 1.5 سنة 2024.
وجاء إصلاح عطلة الأمومة والأبوة في هذا السياق الاجتماعي المتغير. وكانت آمال بلحاج موسى قد عرضت مشروع القانون خلال مسار إعداده سنة 2024، قبل أن يصدر لاحقاً القانون عدد 44 لسنة 2024 المؤرخ في 12 أوت 2024، الذي رفع مدة عطلة الولادة ونظّم عطلة الأبوة وعطلة ما بعد الولادة وراحة الرضاعة، بهدف تعزيز حماية الأم والطفل وتحقيق قدر أكبر من التوازن بين الحياة المهنية والأسرية.
وقالت الوزيرة يوم التصويت إن المصادقة على القانون “لحظة تاريخية اجتماعية فارقة” من أجل المرأة والطفولة والأسرة التونسية. وأكدت أن توحيد عطلة الأمومة والأبوة بين القطاعين العمومي والخاص هو الرمزية الأولى للنص، بعد أن كان هذا التوحيد عقبة أمام المشاريع السابقة، وأن هناك من حلم بهذا القانون منذ 2017. وأشارت إلى أن الوزارة اشتغلت على المشروع منذ 2022 بمقاربة تشاركية مع وزارة الشؤون الاجتماعية وأطراف أخرى.
تتجلى مكاسب القانون أولًا في المساواة إذ أصبحت الأمّهات العاملات في القطاعين متساويات في المدّة. ثم في إحداث عطلة ما قبل الولادة، وهي حق جديد لم يكن منصوصًا عليه، مدتها خمسة عشر يومًا كحد أقصى خلال الشهر الأخير من الحمل بعد الإدلاء بشهادة طبية تبيّن التاريخ المحتمل للولادة. وتتقاضى الأم خلالها كامل مرتبها في القطاع العام، ومنحة في القطاع الخاص.
وبعد الولادة، تنتفع الأم بثلاثة أشهر، وترتفع المدة وجوبًا إلى أربعة أشهر إذا كانت الولادة توأمًا أو كان المولود حامل لإعاقة أو تشوّهات خلقيّة، بعد الإدلاء بتقرير طبي. وإذا وُلد الطفل ميتًا فلها عطلة مدتها شهر. ويحق لها كذلك أن تطلب بعد انقضاء عطلة الولادة عطلة إضافية من شهر إلى أربعة أشهر، مرة واحدة وبموافقة المشغّل، بنصف الأجر في القطاع العام ومنحة في القطاع الخاص، وهي عطلة لم تكن متاحة في الخاص من قبل.
وأحدث القانون أيضاً عطلة أبوة مدتها سبعة أيام خالصة الأجر، ترفع إلى عشرة أيام في حالات ولادة توأم أو أكثر، أو ولادة طفل حامل لإعاقة أو خديج أو حامل لتشوهات خلقية تستدعي الرعاية والتدخلات الطبية، وتكون ثلاثة أيام في حالة ولادة طفل ميت.